محمد بن جرير الطبري
651
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
دحية إلى هرقل فأخبره الخبر قال : قد قلت لك : انا نخافهم على أنفسنا ، فصغاطر - والله - كان أعظم عندهم وأجوز قولا منى . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمه ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق ، عن خالد بن يسار ، عن رجل من قدماء أهل الشام ، قال : لما أراد هرقل الخروج من ارض الشام إلى القسطنطينية ، لما بلغه من امر رسول الله ص ، جمع الروم ، فقال : يا معشر الروم ، انى عارض عليكم أمورا ، فانظروا فيم قد أردتها ! قالوا : ما هي ؟ قال : تعلمون والله ان هذا الرجل لنبي مرسل ، انا نجده في كتابنا نعرفه بصفته التي وصف لنا ، فهلم فلنتبعه ، فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا ، فقالوا : نحن نكون تحت يدي العرب ، ونحن أعظم الناس ملكا ، وأكثرهم رجالا ، وأفضلهم بلدا ! قال : فهلم فأعطيه الجزية في كل سنه ، اكسروا عنى شوكته واستريح من حربه بمال أعطيه إياه ، قالوا : نحن نعطى العرب الذل والصغار ، بخرج يأخذونه منا ، ونحن أكثر الناس عددا ، وأعظمهم ملكا ، وامنعهم بلدا ، لا والله لا نفعل هذا ابدا . قال : فهلم فلاصالحه على أن أعطيه ارض سوريه ، ويدعني وارض الشام - قال : وكانت ارض سوريه ارض فلسطين والأردن ودمشق وحمص وما دون الدرب من ارض سوريه ، وكان ما وراء الدرب عندهم الشام - فقالوا له : نحن نعطيه ارض سوريه ، وقد عرفت انها سره الشام ، والله لا نفعل هذا ابدا . فلما أبوا عليه ، قال : اما والله لترون انكم قد ظفرتم إذا امتنعتم منه في مدينتكم ثم جلس على بغل له ، فانطلق حتى إذا اشرف على الدرب استقبل ارض الشام ، ثم قال : السلام عليكم ارض سوريه تسليم الوداع ، ثم ركض حتى دخل القسطنطينية